تسمع بالمعيدي خير من ان تراه

هناك الكثير من الأمثال التي نتداولها من التراث في بعض المواقف ، ولا نعلم على وجه التحديد ما المناسبة التي قيل فيها هذا المثل ولماذا ؟ ومن بين هذه الأمثال التي لا نعلم عنها الكثير هو ” تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ” ، ولذلك سنوضح خلفية هذا المثل ، والمناسبة التي قيل في شأنها من خلال السطور التالية .

قصة مثل تسمع بالمعيدي خير من ان تراه

تم إطلاق هذا المثل في أكثر من مناسبة ومنها :

في أحد الأيام دخل الشاعر كُثيّر عزة على أمير المؤمنين ، وهو في ذلك الوقت عبد الملك بن مروان ، وكان هذا الشاعر قصير القامة ونحيل الجسم ، فقال له الأمير عبد الملك : هل أنت كثير عزة ؟ فقال له : نعم ، فقال عبد الملك : ( أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ) .

فقال له كثير : يا أمير المؤمنين  ( كلّ عند محله رحب الفناء ، شامخ البناء عالي السناء ) ثم قال بعض أبيات الشعر وهي :

ترى الرجلَ النحيف فتزدريه   وفـى أثـوابـه أســدٌ هـصـورُ

ويعجـبـكَ الطـريـرُ إذا تـــراهُ   ويخلفُ ظنكَ الرجـلُ الطريـرُ

ضعاف الطير أطولهـا رقابـاً    ولم تطلِ البزاةُ ولا الصقـورُ

لقـد عَظُـم البعيـر بغـيـرِ لــبٍ   فلـم يستغـن بالعِظَـم البعـيـرُ

ينـوَّخ ثـم يضـرب بالهـراوي   فــلا غِـيَـرٌ لـديــه ولا نـكـيـرُ

يصرّفـه الصبـيُّ بـكـل أرضٍ   وينحر ه على الترب الصغيـرُ

فما عظم الرجال لهـم بفخـرٍ   ولكـن فخـرهـم كــرم وخـيـرُ

فـإن أكُ فـي شراركـمُ قلـيـلاً   فـإنـي فـــي خـيـاركـمُ كـثـيـرُ

فأعجب الأمير بما رأى منه من فصاحة ، وسرعة بديهة ، واتساع العقل ، وكشف عن معدنه الثمين ، وقام بتعيينه شاعر بالقصر .

اصل مثل تسمع بالمعيدي خير من ان تراه

 ويعود أصل المثل الذي قاله عبد الملك بن مروان لوقت سابق ، حيث أنه في عهد النعمان بن المنذر كان هناك رجل اشتهر بالكرم والثراء ، وهو المعيدي واسمه بالكامل المعيدي شقة أو شق بن ضمرة وكان شيخا على قبيلته ، ومن شعراء العصر الجاهلي ، وكان يتميز بجسمه الضئيل ، ويرعى الإبل في الصحراء ، وكان يغير على الحامية العسكرية الخاصة بالملك النعمان ، وكان ينهب من مملكاته كلما كانت الفرصة سانحة لذلك ، وقد أرسل الملك العساكر لإلقاء القبض عليه أو قتله ، ولكنهم لم يستطيعوا التوصل إليه لأنه اختفى بالصحراء ، لأنه من العالمين بمسالكها وبأماكن المياه ، وله من شجاعة الفرسان ، فكان لا يهاب منهم .

وفي النهاية أعطاه النعمان الأمان و1000 ناقة ، لأنه لم يستطيع التوصل إليه وقد أعجبته شجاعته ، وبعد أن علم المعيدي بما فعله الملك النعمان بن المنذر نزل إلى مدينة الحيرة بالقرب من المدينة العراقية الكوفة ، وقام بالدخول على الملك وقام بالتعريف عن نفسه ، فنظر النعمان إليه بدهشة وشاهد صغر حجمه ، وشكله الدميم ، ومنظره وقام باحتقاره ، وقال له أن نعلم عنك خير من أن نراك ، وأن اسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، فكان النعمان هو من أول من قال هذا المثل الذي تم تداوله من بعده ، فقال له المُعيدي يامولاى إن الرجال ليسوا بقرا ولا غنما كي تنظر إلى وجوههم وأجسامهم إنما يعيش المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، وقد أصبح قوله هذا مثلا أيضا ، فأعجب الملك برده الحكيم ، وجعل منه مستشاراً قريباً له .

وقد حثنا الإسلام على عدم التقليل من شأن الناس ، فقد ورد بالحديث الصحيح أن هناك أحد الرجال قد مروا على النبي عليه أفضل الصلاة والسلام والصحابة فقال ، (ما تقولون في هذا ؟ قالوا : حريّ إن خطب امرأة أن ينكح ، وإن شفع يُشفّع ، وإن قال إن يُستمع إليه ، ثم مر رجل آخر فسألهم عنه، فقالوا : حريٌّ إن خطب ألا يُنكح ، وإن شفع ألا يُشفَّع ، وإن قال ألا يُستمع إليه ) .

فقال لهم الرسول الله صلى الله عليه وسلم ” هذا خير من ملء الأرض مثل ذاك ” ، وهذا معناه أنه لا أحد يكون أفضل من أحد ، وأنه لا يُنظر للشخص بمظهره أو بمدى فقره أو غناه ، فقد يكون الفقير أفضل من الغني ، ومعيار التفاضل بينهما هو الجوهر والأعمال الحسنة في الدنيا .

متى نستخدم مثل تسمع بالمعيدي خير من ان تراه

نستخدم هذا المثل عندما نضع فكرة في أذهاننا عن شخص ما مناقضة تماماً للحقيقة ، وعندما نرى هذا الشخص نتعجب من الصورة المُبالغ فيها التي وضعناها له في عقولنا ، وهو على العكس من ذلك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى