الصلوات التي يشرع فيها التورك

قال ابن القيِّم رحمه الله : ” ولا يحبك الله إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرًا وباطنًا ، وصدَّقته خبرًا ، وأطعته أمرًا ، وأجبته دعوةً ، وآثرته طوعًا ، وفنيت عن حكم غيره بحكمه ، وعن محبة غيره من الخلق بمحبته ، وعن طاعة غيره بطاعته ، وإن لم يكن ذلك فلا تتعنَّ ، وارجع من حيث شئت ، فالتمس نورًا فلست على شيء ” ، فينبغي على المسلم أن يتبع سنن النبي صلى الله عليه وسلم لينال محبة الله عز وجل ورضاه ، ومن أهم هذه السنن التورك في الصلاة ، وهو موضوع حديثنا في هذا المقال .

التورك في الصلاة

الورك هو المنطقة فوق الفخذ ، ومعنى التورك هو الجلوس أو الاتكاء على الورك الأيمن أو الأيسر ، وفي الصلاة فيكون التورك هو الجلوس على الورك الأيسر ، وهو ما جاء في صفة صلاة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وطريقة التورك هي أن يقوم المصلي بافتراش رجله اليسرى وإخراجها من الجانب الأيمن وتكون المقعدة على الأرض ، وهذه الصفة رواها البخاري عن أبي حميد الساعدي ، وهناك صفة أخرى وهي فرش كلا القدمين وإخراجهما من الجانب الأيمن ، وبحيث تكون المقعدة على الأرض ، وهذه الصفة رويت من قبل أبو داود وابن حبان والبيهقي عن أبي حميد الساعدي وقام بتصحيحها الألباني .

وهناك صفة ثالثة وهي افتراش الرجل اليمنى وإدخال اليسرى فيما بين الساق والرجل اليمنى ، وجعل المقعدة على الأرض ، وهذه الصفة رويت عن مسلم عن عبد الله بن الزبير ، ونظرا لوجود هذا الاختلاف في الصفات فيمكن للمسلم أن يتبع ما يشاء ، ويمكنه أن يقتصر على واحدة فقط ، كما يمكنه التنويع وهذا هو الأفضل ، فبالتنويع بين وجوه العبادة يحصل المسلم على عدة فوائد ، أولها أنه يحفظ السنة فلا يعمل بواحدة ويترك الأخرى ، والفائدة الثانية أن يعمل بكل السنن ، والفائدة الثالثة يحقق استحضار أقوى للقلب ، وذلك لأن استمرار على سنة واحدة تصبح له عادة .

حكم التورك في الصلاة

التورك في الصلاة هو سنة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو لا يكون في جميع الصلوات ، وإنما فقط في الصلوات التي يكون فيها تشهد أول وتشهد ثان ، أي أنه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء فقط ، ولكن لا يجوز التورك في صلاة الصبح أو أي صلاة ثنائية من ركعتان بما في ذلك صلوات النوافل وغيره ، والتورك يكون في التشهد الأخير في الصلاة والذي فيه التسليم .

قال ابن قدامة رحمه الله في ” المغنى ” : ( جَمِيعُ جَلَسَاتِ الصَّلَاةِ لَا يُتَوَرَّكُ فِيهَا إلَّا فِي تَشَهُّدٍ ثَانٍ ) ، لحَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ( أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ) ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في ” لقاء الباب المفتوح ” : متى يجلس المصلي جلسة التورك في الصلاة وفي أي صلاة ؟ فأجاب : ” التورك يكون في التشهد الأخير في كل صلاة ذات تشهدين ، أي : الأخيرة من المغرب ، والأخيرة من العشاء ، والأخيرة من العصر ، والأخيرة من الظهر ، أما الصلاة الثنائية ، كالفجر ، وكذلك الرواتب ، فإنه ليس فيها تورك ، التورك إذاً في التشهد الأخير في كل صلاة فيها تشهدان ” .

ولكن إذا كان المصلي يصلي مع جماعة وفاتته الركعة الأولى ولحق بالإمام من الركعة الثانية ففي هذه الحالة لا يقوم بالتورك ، وذلك لأن التشهد الأخير للإمام لن يكون التشهد الأخير بالنسبة له ، حيث أنه سوف يقوم بعد سلام الإمام لاستكمال صلاته والتشهد مرة ثانية ، وبرغم أن التورك سنة إلا أنه إذا كان الإنسان يرى أن في توركه إيذاء لمن يصلي بجانبه في الصلاة الجماعية ، فيكون الأحق له ألا يقوم بالتورك ، فمن المسموح له أن يترك السنة في هذه الحالة اتقاءا للأذى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى