الزهد في العصر العباسي

شجع ديننا الإسلامي الحنيف على الزهد حيث تصبح الدنيا في يد الإنسان وليس في وجدانه ، فبذلك يستطيع أن يكون هو المتحكم بها ، وليست هي المسيطرة عليه ، فيعطي ويصرف ويكرم ، فالزهد هو البعد عن ملذات الدنيا وكل أنواع الترفيه والزينة ، والتذكر بخلود الآخرة فهي البقية والخالدة أبد الدهر ، كما لا يعتبر الزهد هروبا من مواجهة المجتمع ، العيش في حبس النفس داخل الزوايا والانعزال مثل النصارى وزهدهم ، ولقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يقول مؤكدا على ذلك أن الله يحب الإنسان الخفي الغني الذي يخشاه ، كما قال سفيان الثوري أن الزهد يكون في واقعية سلوك الإنسان ونهوضه بمختلف واجباته أمام المجتمع وأمام الله ، وليس الزهد في ارتداء الملابس الخشنة ، أو الغليظة ، أو حتى التقشف وأكل الطعام الغليظ .

نظرة عامة عن شعر الزهد في العصر العباسي

كان الظهور الأول لشعر الزهد في العصر العباسي الأول ، حيث جاء في الأصل ذلك الشعر ليقوم بالرد على التيارات المنتشرة في الدولة من المجون واللهو ، وانتشار مجالس الغناء والعيش المترف ، مما جعل بعض الشعراء بالعمل على منع هذه الطوائف من الانتشار ، ومن أوائل هؤلاء الشعراء الشاعر أبو العتاهية ، حيث استعمل في كتاباته هدف جديد وهو الزهد ، داعيا الناس لترك هذه الظواهر المشينة والخوف من الله والرجوع إليه والتوبة والندم على كل الأخطاء التي فعلوها ، والبعد عن كل وسائل الترفيه المبالغة في أنواعها وألوانها ، والتمسك بما هو واقعي وليس يمت الخيال بصلة ، فالزهد هنا هو التمتع بالدنيا مع عدم استنكار أو نسيان الآخرة والعمل من أجل الدنيا والأخرة .

فكرة الزهد واهمية توظيفها في الأهداف الشعرية

يمكن توظيف هذه الفكرة الواعدة للمصلحة العامة وتقدم المجتمع ، وذلك بحث الجميع في أشعار الزهد على العمل على تقدم مجتمعاتهم ، وتقديم مصلحة المجتمع على مصالح الأفراد ، وتفضيل الغير على النفس ، وتحمل كل أنواع التعب والصبر من أجل إرشاد التوابين ، حيث يكون هنا الزهد نتائج إيجابية في المجتمع إذا ما تم العمل السليم به في هذه الدنيا .

بعض النماذج الشعرية لهدف الزهد

تمتاز كتب السير والتراجم وأشعار الكثيرين بذلك الهدف المتزهد بين الكثيرين من شعراء ذلك العصر وبخاصة عند العلماء والزهاد ، ولكن بالنسبة لمن كان شغلهم الشاغل أهداف أخرى غير ذلك الهدف فهم يعدون قلائل ، فقد استحوذ بلا جدال في ذلك الهدف الشعري ، والزهد على الشاعر الكبير أبو العتاهية واسمه الجقيقي ” إسماعيل بن القاسم بن سويد العنزي ” ، فقد كان ينشد أبو العالية قمامة بن أشرس يقول له أن المال يتملك الإنسان إذا لم يستطيع أن يعتق نفسه منه ، كما أن في النهاية هذا المال الذي ينفقه متروك لغيره .

ومن شعره :

إذا المرء لم يعتق من المـال نفسه تملكه المال الذي هو مالكـه

ألا إن مالي الذي أنا منفق وليس لي المال الذي أنا تاركه

إذا كنت ذا مـال فبادر به الذي يحق وإلا استـهلكته مهالكه

فكان ينصح الجميع بعدم استحواذ المال والأعمال الترفيهية على الشخص وأن يلزم المرء بالاعتدال والتوسط في الحياة ، حيث أن العمر مهما طال قصير ولابد يوم من نهاية الحياة والذهاب إلى المولى عز وجل ، وهنا يسأل المرء عن عمره فيما أفناه ، فمن استمر طول الدهر في جمع الأموال ، والانشغال بإنفاقها ، ونسي ما قدمت يداه للوقوف أمام المولى سبحانه ، سيكون لها جزاء يندم عليه يوم القيامة ، لذلك كان الزهد في الدول العباسية سمة من سمات معظم الشعراء والعلماء في هذا العصر حيث كثر فيه العباد والزاهدين ، ولقد كان الشعر في الدولة العباسية يمتاز بالوعد في متاع الدنيا وليس التقشف والحرمان فالإسلام دين الاعتدال والوسطية ، فالاعتدال مقبول في كل شيء في هذه الدنيا ، فلا التبذير جائز ولا البخل ، فلابد من التوسط .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى