بماذا عاقب الله قارون

ذكرت قصة قارون في أكثر من موضع من مواضع القرآن الكريم والتي يروي فيها أحداث قصة قارون وتجبره ، وذكرت تلك القصة لكي يتخذ المسلمين منها العبرة والعظة ، ولكي لا يعيدوا تلك الأخطاء التي ارتكبها قارون مرة ثانية من اغترار بالنفس ونسب الفضل والإحسان إليه ، وتمكن الكبر من النفس فتتكبر وتتجبر على الخلق ، وكانت قصة قارون من أفضل الدروس الواقعية التي حدثت لكي تخبر الناس أن الكبرياء والقوة لله تبارك وتعالى بيده ترجع الأمور كلها خيرها وشرها .

من هو قارون

هو رجل ينتمي إلى بني إسرائيل كان في العصر ذاته الذي بعث فيه سيدنا موسى عليه السلام ، حيث أنه كان يشغل منصب رئيس الوزراء لطائفة بني إسرائيل في مصر فكان من أعالي القوم لمنصبه ولماله ويقول أغلب أهل العلم أن قارون كان ابن عم موسى ، وكان المصريون في ذلك الأوان طائفتين طائفة مؤمنة بسيدنا موسى عليه السلام وطائفة أخرى تنتمي إلى فرعون وقومه ، حيث كانت مهمته هي بمثابة همزة وصل بين كل من الطائفتين لتصحيح الأوضاع فيما بينهم ، حيث كان يتولى أمور بني إسرائيل ، وكان يتحلى قارون بالعديد من المزايا التي جعلته يصاب بالغرور بسبب استغلاله لتلك الصفات في جمع الأموال حتى وصلت ثروته لمبالغ طائلة ، ويقال أن مفاتيح خزائنه كانت تحمل على ستين بغلا .

ومما غر قارون ذكاءه الحاد وفطنته حيث اعتقد أن كل ما يمتلكه من نعم وأموال وثروات طائلة كانت بفضل ذلك الذكاء لا بفضل الله تبارك وتعالى ، واستخدم قارون أمواله وثرواته فيما يغضب الله عزّ وجل وعصيانه وكلما نصحه من حوله ، بأن ذلك من فضل الله ونعمه غرته نفسه بأن كل ما يمتلكه من ثروات وكنوز هو جراء ذكائه وفطنته ويرجع كل ذلك لذاته .

وكان الله تبارك وتعالى يعطيه الفرصة تلو الأخرى لكي يتوب ويرجع عما هو عليه من كبر واغترار من خلال إثابة النعم عليه ، وكان قارون يتباهى على الناس وعلى سيدنا بموسى بأمواله وثروته ، حتى أصيب من حوله بالحيرة والتفكر في أمر قارون ، كيف أنه يمتلك كل تلك النعم مع تكبره وتجبره وعصيانه لله عز وجل .

عقاب الله لقارون

كان إمهال الله عزّ وجل لقارون من أجل إعطائه فرصة أخرى للإنابة والرجوع إليه ، لكن عندما تطاول وغرته نفسه أنزل الله عليه العقاب الشديد ليريه كيف أنه مخلوق ضعيف لا يقوى حتى على حماية ذاته من الهلاك ، وذلك عقب تجبر وقسوة قارون المفرطة وتعجبه بذاته ، وليذكره الله تبارك وتعالى أن كل تلك النعم هي من فضله الكريم وليست من ذكائه وفطنته التي ينسبها لذاته التي هي مخلوقة من مخلوقات الله عزّ وجل .

حيث قال الله عز وجل في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم ” إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ، قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ” .

فبينما كان قارون يسير ذات يوم بين قومه وهو في كامل زينته وموكبه فجأة خسف الله تبارك وتعالى ، بداره وأمواله الأرض أمام أعين الناس ليكون عبرة لكل من يتجبر في الأرض وينسب الفضل إلى ذاته لا إلى خالقه سبحانه وتعالى ، وذلك لأن قومه كانوا يحسدون قارون على ما به من نعم وثروات ، ويتمنون أن يصبحوا مثله لكن عندما أنزل الله عليه العقاب أصبحوا يتناقلون ما حدث له فيما بينهم ليعتبروا ويتعظوا .

وفي بعض الروايات أن قارون كان قد قال لسيدنا موسى أنه فضل عليه بكثرة الأموال ، فدعا عليه سيدنا موسى ، فخسف الله تعالى به وبداره وأمواله الأرض ، وقد حدث ذلك قبل خروج بني اسرائيل من مصر .

الحكمة من قصة قارون

ذكرت تلك القصة لكي تخبر الجميع أن الله وحده هي القوي المتعالي فصفة الكبرياء تنسب له وحده تبارك وتعالى ، ولا يصح لبشر أن يشاركه في تلك الصفة الإلهية ، ورغم كل الفرص التي أعطاها الله تبارك وتعالى لقارون لم يتعظ ولم يعي أن كل ماهو عليه من نعم هي جراء كرم الله لا بفضل ذاته الضعيفة التي قد تهلك بقطرة ماء زائدة في الأذن أو الأنف ، حيث جعل الله لعباده كل من طريق الخير والشر وعلى الشخص الاختيار ، حيث قال الله تعالى في كتابه الكريم بسم الله الرحمن الرحيم ، تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ، صدق الله العظيم .

م/ منى برعي

الحمد لله حمدا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى