تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

أصبحت جملة ” تجري الرياح بما لا تشتهي السفن “بمثابة أحد الأمثال الشهيرة ، والتي تستخدم للتعبير عن المقادير التي تأتي عكس المتوقع أو عكس ما يتمنى الإنسان ، وفي الحقيقة فإن هذه الجملة هي مأخوذة من أحد أبيات قصيدة شهيرة بعنوان ( بم التعلل ) للشاعر العظيم ابو الطيب المتنبي ، حيث يقول المتنبي في هذا البيت : ( ما كل ما يتمنى المرء يدركه .. تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ ) .

معنى تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

لهذه الجملة عدة معان وتفسيرات ، حيث تقال للتعبير عن خيبة الأمل تجاه أمر كان يتوقع حدوثه ، ويتم تشبيه ذلك بالسفن التي تسير سعيا وراء الرزق ، ولكن الرياح قد لا تكون مواتية وتعيق تحقيق الهدف ، ولذا نستخدم هذا التعبير للأمور التي يسبقها الأمل وتنتهي بخيبة أمل ، وأيضا تعني أن أماني الإنسان وأهدافه التي يسعى لتحقيقها ويجتهد للوصول إليها قد تتعرض لعوامل طارئة وغير متوقعة أو صعوبات تمنع تحقيقها ، ولذا على الإنسان دائما أن يضع احتمالات الفشل وعدم تحقيق الأماني والأهداف ، ويضع احتمالات لحدوث أشياء لم تكن في الحسبان أو معوقات تمنعه من تحقيق هدفه وأمله ، فإذا فعل ذلك لا يصاب بخيبة أمل شديدة عندما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .

قصة مقولة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

هذه المقولة جاءت في أحد أبيات قصيدة ابو الطيب المتنبي ( بم التعلل ) ، ويقال أن المتنبي كان يتوقع إمارة لنفسه ولكن جاءت الرياح بعكس توقعاته ولم يحصل على ما يتمنى ، فقال تجري الرياح بما لا تشتهي السفن يقصد بالسفن هنا ربان السفينة أو قبطان السفينة وليست السفينة نفسها كجماد ، حيث يتمنى قبطان السفينة وروادها أن تكون الرياح سهلة ومواتية ، لتساعدهم على السفر للأمام وتحقيق هدفهم من الرحلة سواء بالحصول على الرزق أو التنزه وغيرها ، ولكن قد يحدث العكس تماما فتكون الرياح شديدة أو معاكسة فتعوقهم عن السير للأمام ، بل أنها قد تحطم سفينتهم وتحطم آمالهم معها .

مناسبة مقولة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

قصيدة بم التعلل لأبو طيب المتنبي مناسبتها حدث بغيض في حياته ، فقد فوجيء المتنبي يوما ما بسماع خبر نعيه في مجلس سيف الدولة الحمداني وهو ما زال حيا يرزق ، فحزن حزنا شديدا وقال كلمات هذه القصيدة متأثرا بذلك ، وفيما يلي بعض أبياتها :

لا تلق دهرك إلا غير مكترث مادام يصحب في روحك البدن
فما يديم سرور ما سررت به ولا يرد عليك الفائت الحزن
يا من نعيت على بعد بمجلسه كلّ بما زعم الناعون مرتهن
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
إني أصاحب حلمي وهو بي كرم ولا أصاحب حلمي وهو بي جبن
ولا أقيم على مال أذل به ولا ألذ بما عرضي به درن

ينصح المتنبي بأن لا يهتم الإنسان ولا يشغل باله بما يحدث له من مفاجآت وتقلبات الزمن ، فطالما أن الروح ما زالت تسري في جسده فسيظل هناك أمل ، كما يقول أيضا أن السعادة لا تدوم ، فلا بد أن تتوقع غدر الزمان دائما ، وأن حزنك لن يفيدك بشيء فهو لا يمكن أن يعيد لك ما فاتك ، فيجب أن تترك الماضي وتعيش في الحاضر وتجاهد لتحقيق مستقبل أفضل ، ويقول أن أعدائه قاموا بنعيه فهم يتمنون ذلك ، ولكنه لم يتحقق .

فليس كل ما يتمناه المرء يدركه أي يتحقق له ، فلا يمكن للإنسان التحكم في أقداره ، فهناك ظروف ومفارقات ليست بيده والقدر هو من يتحكم فيها ، مثل السفينة التي تعاكسها الرياح وتعيق سيرها ، ومع ذلك لا بد من استمرار السعي بدون يأس أو استسلام ، فالإنسان يجب أن يقاتل حتى النفس الأخير لتحقيق أهدافه ، فلا ينبغي أن يكون جبانا في مواجهة مشكلاته فيستسلم ويهرب ، بل عليه أن يكون شجاعا وقويا لمواجهة الظروف ، كما يقول المتنبي أيضا أن جمع المال لا خير فيه إذا بخل به صاحبه أو حصل عليه بطريقة غير مشروعة ، فعندها يكون هذا المال قد أذل صاحبه ودنس عرضه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى