حكم من مات منتحرا

اختلفت الأقوال حول الحكم على المنتحر ، فكان من الشائع أن المنتحر يعتبر كافر ويعامل معاملة الكفار ، ولكن دعونا نصحح تلك الأفكار بالتعرف على حكم من مات منتحرا وهو مسلم وبيان تفسير الأئمة الأربعة في ذلك الشأن بالتفصيل .

حكم التفكير بالانتحار

يعتبر التفكير بالانتحار في حد ذاته هو أمر سلبي لا يحمد عقباه ، فكما علمنا أن الله عز وجل لا يحاسب الإنسان أو تحسب له سيئة حتى يفعلها ، وأن مجرد التفكير في عمل بعض المعاصي لا يعد إثما يحاسب عليه المسلم .

أما في حالة كان ذلك التفكير في الانتحار مؤديا إلى فعل الانتحار بالفعل أو حتى الإقدام عليه دون وقوع الوفاة ، ففي تلك الحالة يعتبر المسلم الذي أقدم على التفكير في الانتحار وعمل كل الأشياء التي أدت إلى ذلك ، ولكن لم ينجح فقد وقع عليه الإثم .

في حالة انتحار الشخص بالفعل ، فإنه وكما أجمع كل الفقهاء بأنه يخلد في النار إلى الأبد ، ولكنه لحسن حظه لا يمكن الجزم بأنه من الكفار ، كما يمكن الصلاة عليه وتكفينه ودفنه في مقابر المسلمين .

أما إذا كان المنتحر يعتقد تمام الاعتقاد أن الانتحار كفر ، وقد عمل على الانتحار ومات بالفعل فإنه في هذه الحالة لا يموت كافرا حتى يعمل شيء يؤكد تلك الردة قبل انتحاره .

حكم المنتحر عند الائمة الاربعة

أجمع الأئمة الأربعة أن المنتحر لا يعد كافرا ، بل يخلد خلودا أبديا في النار ، ولكن أجازوا الصلاة عليه وتكفينه ودفنه مع المسلمين ، كما أجازوا الدعاء له بالرحمة والمغفرة وأداء الصدقات بنية أن ينال رحمة الله .

قال الله تعالى في كتابه العزيز : ” وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ” .

أما في سورة الأنعام : ” وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ” ، فتلك الآيات تبين عظم مسألة الانتحار ، ومالها من عواقب من تخليد في النار والمصير المحتوم في جهنم .

أما في مسألة الصلاة على المنتحر فقد كان الإجماع قائما ماعدا كل من عمر بن عبد العزيز وكذلك الأوزاعي اللذان قالا بأن الصلاة على المنتحر مكروهة ، ولكن يمكن الاستدلال بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ” صلوا على من قال لا اله إلا الله ” ، والذي كان يعمل به كل من المالكية والحنفية والشافعية .

أما الحنابلة فقد كان لهم رأي مغاير ، بأنه لا يمكن للإمام الصلاة على المنتحر ، ولكن يمكن لباقي المسلمين الصلاة عليه .

أما قوله صلى الله عليه وسلم : “من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ” ، وهنا أجمع الفقهاء أنه يعامل معاملة البغاة والفاسقين لأنه أتى كبيرة ووزر عظيم ، حتى أن أجاز بعضهم عدم التغسيل أو الصلاة حاله في ذلك حال البغاة .

أما عما روي عن أبو داود أن رجل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره عن رجل قد مات منتحرا ، قال : وما يدريك ؟ قال : رأيته ينحر نفسه ، قال : أنت رأيته ؟ قال : نعم ، قال : إذن لا أصلي عليه ” ، وكان ذلك محل الاختلاف وفسره البعض بأنه على هذا الأساس لا يكون للمنتحر توبة فلا يمكن الصلاة عليه .

حكم المنتحر المريض نفسيا

يعامل المريض النفسي معاملة المجنون الذي رفع عنه القلم وذلك بناء على قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” رفع القلم عن المجنون المغلوب على عقله ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ” .

ولكن يرجع اللوم على أهله أن تركوه يصل إلى تلك الحالة من اليأس وتفاقم الأعراض النفسية التي أدت إلى وصوله إلى تلك المرحلة السيئة ، فيجب على أهله وأقربائه في تلك الحالة أن يدعوا له بالرحمة والغفران عسى الله أن يشمله برحمته .

كذلك توصى الأم بالأخص في تلك الحالة للدعاء لولدها المنتحر بسبب الجنون وذهاب العقل ، وأيضا إخراج الصدقات بنية تكفير ذنوبه وبلوغ رحمة الله له وأن يكون مصيره الجنة في النهاية وليس الخلود في النار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى