سورة المجادلة

عرفت سورة المجادلة عند أهل العلم باسم ” قد سمع ” ، وذلك لأن أول آية من آيات هذه السورة تبدأ بأسلوب التوكيد ” قد سمع ” ، كما سميت كذلك باسم سورة الظهار ، حيث أن هذه السورة تتضمن أحكام الظهار ، وهي أن يقول الرجل لزوجته أنت علي كظهر أمي ، وبذلك يحرمها على نفسه ويمتنع عن معاشرتها ، وسورة المجادلة هي من السور المدنية التي نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة ، وترتيبها في المصحف هو الثامن والخمسون ، وهي أول سورة من سور الجزء الثامن والعشرون ، أما عدد آياتها فتبلغ 22 آية في كل منها يوجد لفظ الجلالة .

سبب نزول سورة المجادلة

عن عروة قال : قالت عائشة : تبارك الذي وسع سمعه كل شيء ، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ، ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهي تقول : يا رسول الله ، أبلى شبابي ، ونثرت له بطني ، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني ، اللهم إني أشكو إليك ، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآيات : ” قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ” .

هذا هو موضوع سورة المجادلة ، عندما اشتكت خولة بنت ثعلب زوجها أوس بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد حدث خلاف بينهما مما أدى لغضب زوجها وقال لها عبارة : أنت علي كظهر أمي ثم خرج من البيت ، وعندما عاد بعد فترة قصيرة أراد أن يتقرب منها ، فأعرضت عنه وأقسمت أنها لن تخضع له حتى يحكم رسول الله بينهم ، فاشتكت لرسول الله أن زوجها ظاهر منها ثم ندم وسألته ماذا عليها أن تفعل .

فأخبرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن زوجها عليه أن يعتق رقبة ، فقالت للرسول ليس لديهم رقبة ليعتقها ، فقال لها أن عليه الصيام لشهرين متتابعين ، وردت أن زوجها كبير في السن وليس باستطاعته الصيام لشهرين متتابعين ، فأخبرها أن عليه أن يطعم ستين مسكينا ، فقالت أن زوجها ليس لديه ما يكفي لإطعام ستين مسكينا ، فأخبرها الرسول أنه سوف يساعد زوجها أوس بعرق من التمر ، وقالت هي أنها ستساعد بعرق آخر ، حتى يمكنه إطعام ستين مسكينا ومن ثم يرد زوجته خولة .

تفسير سورة المجادلة

تبدأ السورة بقصة خولة بنت ثعلب وحكم الظهار ، فيقول الله عز وجل لمن يقول لزوجته أنت علي كظهر أمي أن هذا لا يجوز ، فنسائكم ليسو أمهاتكم وإنما أمهاتكم هم من ولدنكم ، وإن هذا ما هو إلا قول زور وليس بحق والله سميع وبصير لا يخفى عليه شيء ، أما حكم الظهار فهو عتق رقبة مؤمنة وإن لم يجد فصيام شهر متتابعين ، وإذا لم يستطع بسبب عذر شرعي فعليه إطعام ستين مسكينا ، ومن يخالفون الله ورسوله فإنهم خذلوا وأهينوا ، مثلما خذل السابقين ممن خالفوا الله ورسوله ، فالله عز وجل هو من يحيي الموتى جميعا ويجمعهم ليخبرهم ما عملوا من خير وشر ، فكل أفعالهم مكتوبة ومسجلة في اللوح المحفوظ .

الله تعالى هو العالم بكل شيء ولا يوجد ما يمكن أن يخفى عليه ، فإذا تناجى ثلاثة أو أربعة أو خمسة يكون الله معهم ويسمعهم ، ومهما كان عددهم يكون الله معهم ويعلم بكل أقوالهم وأفعالهم ، ويوم القيامة يخبرهم بما فعلوه من خير أو شر ويحاسبهم عليه ، ألم تر أيها الرسول عندما تحدث اليهود سرا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ، وعندما جاءوك يحيوك بتحية مخالفة للإسلام ، فيقولون السام عليك أي الموت لك ، ويظنون أن الله لن يعاقبهم على قولهم فسوف يدخلون جهنم وبئس المصير والعذاب ، وعلى المسلمين أن يتحدثوا فيما بينهم في أمور البر والتقوى ، ويتقوا الله فيما يقولون حتى يرجعون إلى الله ، فالنجوى هي من أفعال الشيطان فهو الذي يوسوس للإنسان بالشر ، من أجل أن يحزن المسلمين ولكنه لا يمكن أن يؤذي أحد إلا بمشيئة الله .

وإذا طلب منكم أيها المؤمنون أن توسعوا مكانا لغيركم في المجالس فافعلوا ذلك ، وإذا أمرتم بأن تقوموا من مجالسكم لأمر فيه خير لكم فافعلوا ذلك أيضا ، فالمؤمنين يرفع الله مكانتهم وأهل العلم أيضا لهم منزلة عظيمة ، وإذا أردتم أيها المؤمنون أن تحدثوا الرسول سرا فقدموا صدقة قبل ذلك للفقراء ، فالصدقة تطهير لكم وتزكية لكم ، ولكن إذا لم تجدوا ما تتصدقون به فليس عليكم إثم ، ولكن إذا لم تفعلوا ما أمركم الله به فعليكم المداومة على الصلاة والزكاة والطاعات .

والمنافقين ينالون غضب الله وهم يحلفون كذبا أنهم مسلمون ، فسوف ينالون أشد العذاب من الله ، فلن تنفعهم أموالهم وأولادهم ، وعندما يبعثون سوف يكذبون كما فعلوا في الدنيا فقد سيطر عليهم الشيطان ، ولذا فسوف يخسرون في الدنيا والآخرة لإتباعه ، والذين يخالفون أمر الله ورسوله فسوف يصبحون أذلاء ، سوف ينتصر عليهم الله ورسله فهو القوي العزيز ، أما المؤمنون بالله واليوم الآخر جعل الله الإيمان في قلوبهم ، وسوف يكافئهم بجناته ويرضى عنهم وهم المفلحون الناجحون .

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى