سورة المنافقون

سورة المنافقون رقمها حسب ترتيب المُصحف العُثماني هو الثالثة والستون بين السور وعدد آياتِها إحدى عَشر ، ونزلت على سيدنا محمد صل الله عليه وسلم في المدينة لهذا فهي صورة مدنية ، لقد أفتتح الله السورة بأسلوب شرطي ” إذًا ” ،  حيثُ دارت الآيات حول المنافقين وأحوالهم وصِفاتِهم السيئة وهذا إلي جانب بعض القضايا التشريعية التي ذُكرت بسورة المنافقين ، وهذا ما يوجد بأغلب السور المدنية .

سبب نزول سورة المنافقون

لم يتفق العُلماء في تحديد وقت نزول سورة المنافقون فبعضِهم قال أنه نزلت في عزوة تبوك ، ولكن حسب الأشُهر فهي نزلت في غزوة بني المُصطلق ( المريسيع ) وهذا لأن وقتِها اختلف رجلان على الماء أحدهما كان جهجاه بن سعيدٍ ، وكان حينها هو مولى عمر بن الخطاب وكان الآخر سنان الجهني ، وكان حليف بني عوفٍ من قبيلة الخزرج ، حيثُ ضرب كُلًِا منهُما الآخر ، فصاح جهجاه للمهاجرين ثُمَّ صاح سنان للأنصار ، فاجتمعت الناس إليهم حتى وصل الخبر إلى عبدالله بن أبي سلول وكان واحدًا من أكبر المُنافقين في المدينة حينها حيث قال فالأمر : ” أقَد تَداعَوا عَليْنا ، لَئِن رَجَعنا إلى المَدينةِ لَيُخرِجَنَّ الأَعزُّ مِنها الأَذلَّ ” .

تفسير سورة المنافقون

تفسير الآية من 1 إلى  6 

عندما انتشر الإسلام كان يأتي لرسول الله أناس يعلنون إيمانهم وهم في باطنهم يكنون الكفر والحقد على الإسلام والمسلمين ، فحذر الله رسوله عبادة منهم فقال تعالى ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ .

وهذه شهادة كاذبة كما أنه لا حاجه لشهادتهم في تأييد رسول الله فأكمل الله تعالى ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) .

( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) أي أظهروا الإيمان وأخفوا الكُفر وأقسموا على ذلك فانخدعت الناس لنفاقهم ظننا منهم أنه حقيقة .

( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ) المقصود بـ “ذَلِكَ “النفاق حيث أن إيمانهم غير ثابت فلا يدخل الخير قلوبهم ، فهم لن ينفعهم نفاقهم ولن يعون مصالحهم .

( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) ، أي أن حديثهم مُمتع للأذُن تُحب سماعه ، فأجسامهم وأقوالهم معجبة ، ولكن هذا ليس من الهُدى والأخلاق الحميدة لهذا أكمل الله تعال : ( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَة ) أي أقوالهم لا فائدة منها ، ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ) ، وهذا لضعف قلوبهم والنفاق في قلوبهم يخافون أن يراه أحدًا ، فهؤلاء ( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) ، أي أن العدو الماكر والمخادع أسوء بكثير من العدو الظاهر ، فاحذرهم لخروجهم عن الدين الإسلامي بعد ما رأوا أدلته فذهبوا للكفر الذي لم ينفعهم بشيء .

( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) أي حين يطلبون منهم الذهاب لرسول الله ليستغفر لكم ويتقبل الله أعمالكم يتكبرون ويمتنعوا عن طلب الدعاء من الرسول .

فسواء استغفر لهم الرسول أم لا فلن يغفر الله لهم، وذلك لأنهم قوم فاسقون ، خارجون عن طاعة الله ، مؤثرون للكفر على الإيمان ، فلذلك لا ينفع فيهم استغفار الرسول ، لو استغفر لهم حيثُ قال تعالى : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) .

تفسير الآية 7 و 8 

( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ) ، وهذا لكُرههم لرسول الله وللمُسلمين لرؤيتهم للمسلمين والصحابة يتسارعون في إرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقالوا بزعمهم الفاسد لولا أموالهم وإنفاقهم على المسلمين لما اجتمعوا حول نصرة الدين ولن يفعلوا إلا حين ينفض عن رسول الله جميع من حوله ، ولهذا رد الله تعالى عليهم قائلا ( وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) فهو من يوزع الأموال والأرزاق لمن يشاء ويعسرها على من يشاء ( وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ) .

( يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) ، وذلك في غزوة بني المُصطلق ، حين صار بين بعض المهاجرين والأنصار بعض الكلام وإظهار للخواطر ، ظهر حينئذٍ نفاق المنافقين ، وأظهروا ما في نفوسهم .

حيث قال كبيرهم عبد الله بن أبي بن سلول : ما مثلنا ومثل هؤلاء – يعني المهاجرين – إلا كما قال القائل : ” غَذِّ كلبك يأكُلك ” .

وقال أيضًا : لئن رجعنا إلى المدينة ” لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ” وكان يقصد بهذا أنه هو وإخوانه من المنافقين الأعلون ، وأن رسول الله ومن معه  هم الأذلون ، والأمر عكس ما قال هذا المنافق ، فقال تعالى : ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) ، والمنافقون وإخوانهم من الكفار هم الأذلاء ( وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) .

تفسير الآية من 9 إلى  11

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) أمر الله تعالى هنا عباده المؤمنين بالإكثار من ذكره فبهذا ربحًا وفير ، وينهاهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن ذكره ، فإن محبة المال والأولاد ففي ذلك خسارةٍ كبيرة .

( وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ )  ، أي أن الله أعطى كل عبد رزقه فليتفقه في الأعمال الصالحة قبل أن يأتيه الموت فيندم ؛ لأنه لم يكون من الصالحين  .

( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )  ، أي أن الله لن يؤجل موت أحدًا إذا كان أجلُه قد حان للرحيل فالله يعلم أفعالنا سواء كانت خير أم شر من أعمال ونوايا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى